من الخطأ القول أن الإمبريالية الأمريكية لا تساعد العالم الثالث! إذ أن أحد وكالاتها، معهد كاتو (Cato Institute) المتواجد بواشنطن، وقع للتو شيكا بمبلغ 500.000 دولار أمريكي (نعم: نصف مليون دولار!) وقدمه لشاب فنزويلي. لقد فاز يون غويكوتشييا بـ ’جائزة ميلتون فريدمان للحرية‘، لقاء خدماته في الدفاع عن ’الحريات الفردية والسوق الحرة والسلام‘.

غويكوتشيا

يون غويكوتشييا

من الخطأ القول أن الإمبريالية الأمريكية لا تساعد العالم الثالث! إذ أن أحد وكالاتها، معهد كاتو (Cato Institute) المتواجد بواشنطن، وقع للتو شيكا بمبلغ 500.000 دولار أمريكي (نعم: نصف مليون دولار!) وقدمه لشاب فنزويلي. لقد فاز يون غويكوتشييا بـ ’جائزة ميلتون فريدمان للحرية‘، لقاء خدماته في الدفاع عن ’الحريات الفردية والسوق الحرة والسلام‘.

حسنا، يجب أن نقر بأن السيد غويكوتشيا ليس ولدا فقيرا من أحياء كاراكاس البائسة. إنه طالب حقوق بالجامعة الكاثوليكية أندريس بيللو رومان الباهظة، التي تبلغ رسوم التسجيل فيها 5.820 بوليفار (أي ما يعادل رسميا 2.710 دولار أمريكي) في السنة، وهو المبلغ الذي يعتبر جد عال في فنزويلا.

إلا أن السيد غويكوتشيا يستحق عن جدارة هذه المساعدة المالية الضرورية نظرا للعمل الجيد الذي قام به في خدمة السوق الحرة (أي: الرأسمالية) والديمقراطية (أي: التآمر ضد حكومة هوغو تشافيز المنتخبة ديمقراطيا). والسبب الذي جعل أعضاء معهد كاتو يعتبرونه بطلا هو كونه زعيم ’الحركة الطلابية‘ التي تعارض الثورة البوليفارية في فنزويلا.

يميني ومعادي للديمقراطية

أهم الأنشطة التي قامت بها هذه الحركة هي تنظيم المظاهرات (واشتباكات مع رجال الشرطة)، مع عرض علم فنزويلا بشكل مقلوب والحضور المكثف لحليقي الرؤوس، وذلك بخصوص القضايا التالية:

- للتضامن مع القناة التلفزيونية اليمينية الخاصة RCTV، التي دعمت الانقلاب ضد تشافيز شهر أبريل 2002؛

- ضد الإصلاحات التقدمية في الجامعات (من قبيل: مساواة وزن الطلاب والأساتذة عند التصويت في انتخابات المؤسسات الجامعية) وتشجيع الجامعات الشعبية؛

- ضد الإصلاحات التقدمية التي كانت مقترحة في التعديلات الدستورية، يوم 2 دجنبر 2007.

ليست هناك حاجة إلى التعليق على الاتهامات المتكررة حول ’’التضييق على حقوق الإنسان والحريات المدنية‘‘ أو ’’الإصلاح الدستوري الذي كان سيحول البلد إلى دكتاتورية‘‘. لهذه التصريحات، التي تشنها الطبقة السائدة الأمريكية ضد الحكومة البوليفارية الفنزويلية خلال الحرب الحالية ، نفس مميزات تلك القصص القديمة التي كانت تحكيها الحكومة البريطانية والأمريكية خلال الحرب العالمية الأولى عن أن الجنود الألمان كانوا يقطعون أثداء النساء البلجيكيات، والتي ليست سوى افتراءات الحرب الإعلامية.

إنها افتراءات لا تألوا وسائل إعلامنا الحرة والمستقلة، حارسة الديمقراطية والحرية، جهدا في إعادة إنتاجها: تقول الأسوشيتد بريس "الزعيم الطلابي الذي تحدى تشافيز فاز بجائزة"؛ وأعلنت يو إس توداي: "الطالب الذي تحدى تشافيز فاز بـ 500.000 دولار"؛ بينما تخبرنا السي بي إس أن "الزعيم الطلابي الفنزويلي فاز بجائزة نظرا لتحديه لتشافيز". وقد أطلقوا أيضا على تلك الحركة، خلال حفل تقديم الجائزة، اسم حركة ’سلمية‘، لكن التفاصيل التي رواها الطلاب الثوريون تبين عكس ذلك (انظر: عنف المعارضة في جامعة فنزويلا، ما الذي حدث حقا في جامعة فنزويلا المركزية)

بالنسبة لوكالة المخابرات الأمريكية و’اللبرالية الجديدة‘، و’السوق الحرة‘ أو أيا كان الاسم الذي يطلقه مثقفو فريدمان، ليس هناك أية سخرية في واقع أن جائزة ’تنمية الديمقراطية‘ قد خصصت لشخص يحاول زعزعة استقرار الحكومة الفنزويلية المنتخبة ديمقراطيا، بل ومحاولة إسقاطها بكل الوسائل الممكنة، في بلد تؤكد اللجنة الآنديزية للعدالة (Comisión Andina de Justicia) – وهي الهيئة التي لا تتعاطف كثيرا مع الثورة البوليفارية- أن 77 % من مواطنيه يؤمنون بالديمقراطية وأن 59 % من المواطنين راضون عن مستوى الديمقراطية في بلدهم وهي النسبة الأعلى في المنطقة، وربما في كل القارة، إن لم نقل في العالم.

كيف لا يكون الحال كذلك في الوقت الذي نظمت أكثر من 11 حملة انتخابية منذ صعود تشافيز إلى السلطة؟ انتخابات محلية وجهوية ووطنية، بما في ذلك الاستفتاء لعزل الرئيس نفسه، وقد أعلنت جميع هذه الانتخابات انتخابات حرة نظيفة ونزيهة من طرف هيئات من قبيل مركز كارتر والاتحاد الأوروبي. كما أن الحكومة تعرضت (لسوء الحظ) للهزيمة خلال الاستفتاء الأخير حول الدستور، وهو الشيء الذي من المستحيل أن نجده في ظل نظام دكتاتوري.

التحكم عن بعد

بعد قضائهم لعدة أسابيع في إدانة الطبيعة الكليانية "لنظام تشافيز"، طالب يون غويكوتشيا وأصدقائه بـ ’حقهم‘ في أن يُسمعوا صوتهم داخل الجمعية الوطنية. وعلى عكس ما كانوا يتوقعون، استدعتهم الجمعية الوطنية، إلى جانب طلاب ينتمون إلى منظمات ثورية، للتعبير عن أفكارهم والنقاش حول حرية التعبير وحرية الإعلام؛ لم يسبق أبدا أن تم استدعاء ممثل عن الطلاب إلى الجمعية الوطنية.

افتتح الجلسة طالب من المعارضة، دوغلاس برافو، من الجامعة الحضرية، التي هي جامعة خاصة ونخبوية جدا. قرأ خطابه الذي كان فضفاضا جدا بقدر ما كان جيد الصياغة. فمن جهة وعد بمواصلة النضال من أجل القناة التلفزية RCTV حتى النهاية، ومن جهة أخرى لمح إلى إمكانية مصالحة وطنية إذا ما توقفت الحكومة الثورية عن أن تكون حكومة ثورية وبدأت تتصرف كما هو مفترض في أية حكومة محترمة، أي أن تدافع عن مصالح الرأسماليين والملاكين العقاريين.

في نهاية كلمته قال بطريقة خطابية: "حلم بلد يمكن أن تكون لنا فيه قيمة دون الحاجة إلى ارتداء زي رسمي"، وهي اللحظة التي قام فيها هو وأصدقائه بنزع الأقمصة الحمراء التي كانوا يرتدونها ورفعوا سلسلة من الشعارات الموالية للقناة التلفزية RCTV. بدءوا في الانسحاب من قاعة الجمعية الوطنية، لكن الطلاب الثوريين أقنعوهم بالبقاء، والاستماع، على الأقل، لمداخلة أندريينا تارانزون، الطالب الثوري من جامعة فنزويلا المركزية.

أنهى تارانزون مداخلته فجاء دور بطلنا. أخذ يون غويكوتشيا الكلمة، لكن بدا أنه لا يريد نقاش أي شيء، بعد أن كانوا قد قدموا مسرحيتهم أمام وسائل الإعلام. أعلن غويكوتشيا أن حزب المعارضة سينسحب. وقال: "لم نأتي إلى هذه الجمعية لكي نلعب دور السياسيين، نحن طلاب، وبعد أن تحدثنا مرة واستمعنا مرة، سوف نغادر". عندها غادروا القاعة، تاركين ورائهم مسودة الخطاب الذي ألقاه دوغلاس برافو.

كانت المسودة موقعة من طرف مصلحة إشهار ARS، التي هي جزء من مجموعة غلوبوفيزيون. لم يكتبوا لهم الخطاب فقط، بل كتبوا لهم حتى طريقة أدائه. عمل الطالب الثوري من الجامعة البوليفارية، سيزار ترومبيز، على قراءة الفقرة النهائية من هذه المسودة: "حلم بلد يمكن أن تكون لنا فيه قيمة دون الحاجة إلى ارتداء زي رسمي [اخلعوا الأقمصة] دون قول أي شيء آخر [مهلة] حتى الآن".

إن هؤلاء ’المعارضين‘ لا يتلقون فقط التمويل السخي من طرف الأوليغارشية، بل إنهم متحكم فيهم عن بعد!

أدوات الرأسمالية العالمية

لقد تلقى السيد غويكوتشيا المديح طويلا من طرف وسائل الإعلام الغربية لكونه وفر للمعارضة الفنزويلية صورة ’أنيقة‘ ووجها جديدا نظيفا نسبيا. ومن بين المتحمسين لغويكوتشيا نجد أيضا هيئة تحرير مجلة Playboy-Venezuela، التي وضعته (ليس على الغلاف، فقد سبق أن احتلته صورة فتاة شبه عارية) في الصفحة الأولى لهذه المجلة الـ ... السياسية الجدية.

مكتشفو المواهب، الذين جعلوا منه بطل العداء لتشافيز، ليسوا مجموعة من الناس الأبرياء. الهيئة التي قدمت يون كبطل رأسمالي حداثي مكونة من أناس مميزين:

- كاخا بيندوكيدز، السياسي الجيورجي البارز والصديق الحميم للبيت الأبيض، الذي استفاد من عمليات الخصخصة، المدعومة من الولايات المتحدة، وتدمير الاقتصاد السوفييتي المخطط.

- رئيس المعهد، إيد كران، عضو جمعية مونت بيليرين، الماسونية الممولة من طرف الاقتصادي، العدو اللدود للاشتراكية ، فريدريك فون حايك. إنه المؤيد المفوه للقضاء على نظام الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة، لأنه يتوجب إعطاء الأشخاص المرضى والمسنين والعجزة، الفقراء، حرية الموت بدون أي تدخل من جانب الحكومة في ظروفهم الصحية.

- فرانسيسكو خيل دياز، وزير المالية المكسيكي لحدود سنة 2006، والذي يشتغل الآن لدى المجموعة البنكية العملاقة HSBC (أكبر شركة رأسمالية في العالم).

- الرأسمالي شارلز ج. كوش (مالك شركات كوش)، الذي وصف بكونه "الملياردير الأكثر نجاحا في العالم".

- وأحد منظري اللبراليين الجدد، الأوروبي الفاحش الثراء، المعروف باسم كارين هورن.

- أندرو مويندا، الصحفي الأوغندي الذي يعارض إرسال الإعانات إلى إفريقيا ويعارض إلغاء ديون البلدان الغارقة في الديون.

- الصحفيان المأجوران لدى كبار أصحاب الرساميل، ماري أو غرادي (جريدة وول ستريت) وفريد زكريا (نيوزويك).

- روز ديريكتور، أرملة الاقتصادي اللبرالي ميلتون فريدمان والمدافعة المتطرفة عن اللبرالية.

الشخص الآخر الذي فاز بـ ’جائزة‘ فريدمان كان هو هيرناندو دي سوتو، الذي كان مستشارا اقتصاديا مدافعا عن سياسة "صدمة فوجي"، التي هي مجموعة من الإجراءات الاقتصادية العنيفة التي طبقت خلال دكتاتورية فوجي موري (السوق الحرة والدكتاتورية!)

قدم ميلتون فريدمان نصيحة اقتصادية جيدة للدكتاتور أغوستو بينوتشي الذي تعاون بشكل وثيق مع تلاميذه، في شيكاغو، عندما كان منخرطا في تدمير شروط عيش العمال التشيليين وقتل وتعذيب الآلف. لا بد أن نيل جائزة جائزة فريدمان شكل مصدر فخر عظيم ليون غويكوتشيا. من يدري، فمن الممكن لهذا المدافع البارز عن الحرية الرأسمالية أن يصير في المستقبل بينوتشي فنزويلا!

بابلو رولدان و ماورو فانيتي
الخميس: 08 ماي 2008