لقد شكلت نتائج استفتاء يوم الأحد 15 فبراير 2009 حول التعديل الدستوري نصرا عظيما لقوى الثورة الاشتراكية الفنزويلية، وفي الوقت نفسه شكلت ضربة قاسية لقوى المعارضة اليمينية المعادية للثورة. لقد تمت المصادقة على التعديل الذي سوف يسمح لتشافيز بأن يترشح خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة.

لقد شكلت نتائج استفتاء يوم الأحد 15 فبراير 2009 حول التعديل الدستوري نصرا عظيما لقوى الثورة الاشتراكية الفنزويلية، وفي الوقت نفسه شكلت ضربة قاسية لقوى المعارضة اليمينية المعادية للثورة. لقد تمت المصادقة على التعديل الذي سوف يسمح لتشافيز بأن يترشح خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، بنسبة 54,36 % (أي: 6,003,594 صوتا) لصالح التعديل، و45,64 % (أي: 5,040,082 صوتا) ضد التعديل. هذا إضافة إلى أن نسبة المشاركة كانت عالية حيث سجلت: 67 % من المسجلين.

مع وجود حوالي مليون صوت كفارق و10 % من الأصوات كهامش، فإن النصر كان أكبر مما توقعته أغلبية الناس. وإذا ما استثنينا الانتصار الكاسح الذي تحقق خلال انتخابات 2006 الرئاسية، حيث كسب تشافيز سبعة ملايين صوت، فإن هذا العدد من الأصوات هو الأكبر الذي حققته الثورة خلال العشرة سنوات الأخيرة. حتى في اقليم كارابوبو، التي تمكنت فيها المعارضة من الفوز خلال انتخابات نوفمبر، حققت "نعم" نسبة 52,06 % مقابل 47,94 %. وأيضا في Distrito Capital (اقليم كاراكاس)، حيث تمكنت قوى الثورة المضادة من الفوز بأغلبية كبيرة خلال انتخابات نوفمبر، تمت المصادقة بنعم للتعديلات بنسبة 51,87 % مقابل 48,13 %.

أما في معاقل الحركة البوليفارية فإن النصر كان طبعا أعظم: ففي أمازوناس حققت "نعم" 71,51 % مقابل 28,48 %؛ في دلتا أماكورو: 71,39 % مقابل 28,61 %؛ كوخيديس: 68,17 % مقابل 31,83 %؛ موناغاس: 63,50 % مقابل 36،5 % إلخ.

إن هذا يبين مستوى التعبئة بين صفوف قواعد الحركة البوليفارية. ونشهد صورة مماثلة إذا ما نحن نظرنا إلى المعاقل التقليدية للمعارضة. ففي نويبا إسبارطا (Nueva Esparta) –جزيرة مارغاريتا-، لم يحقق التصويت بـ"لا" سوى فوز ضئيل:50,74 %  مقابل: 49,26 % لصالح التعديلات.

إذا ما نحن قارننا النسبة الكبيرة التي حققتها "نعم" بعدد الأصوات التي حققها تشافيز والحزب الاشتراكي الموحد سابقا، يمكننا أن نرى ارتفاعا واضحا في معدل التأييد. فخلال الانتخابات الجهوية لشهر نوفمبر 2008، حقق الحزب الاشتراكي الموحد وغيره من المرشحين البوليفاريين 5,5 مليون صوت، مقابل 6 ملايين صوت لصالح التعديلات خلال استفتاء يوم أمس. إلا أن المعارضة بدورها كسبت أصوات جديدة، حيث حققت 5 ملايين صوت ضد التعديلات، مقابل 4 ملايين صوت خلال انتخابات نوفمبر. إن هذا يبين التقاطب القوي الذي يعرفه المجتمع الفنزويلي. يجب أن نأخذ في الاعتبار أيضا أن عدد الناخبين قد ارتفع من حوالي 13 مليون شخص سنة 2004 إلى حوالي 17 مليون شخص اليوم.

سوط الثورة المضادة

كان التحرك الجماهيري هو العامل الرئيسي الذي أدى إلى كسب الاستفتاء هذه المرة على عكس ما حصل سنة 2007. وكما سبق لنا أن شرحنا في مقالات سابقة، سوف تنظر الجماهير إلى الاستفتاء من وجهة نظر طبقية واضحة. بالرغم من المشاكل العويصة وأوجه القصور في المجتمع الفنزويلي، فإن مستوى الرفاه الاجتماعي الكبير الذي حققته الثورة يشكل نقطة جذب قوية. لا يمكن التغافل عن تأثير الإنجازات من قبيل مشروع Barrio Adentro ومشروع CDI (القاضي بتوفير الخدمات الطبية الأساسية المجانية في الأحياء الفقيرة)، والبعثات (misiones ) –التي هي برامج لنشر التعليم المجاني وغيرها من الخدمات العمومية-، والجامعات البوليفارية (التي تسمح بالتحاق آلاف الطلاب الذين كانوا مقصيين من التعليم في الماضي، والذين ينتمي أغلبهم إلى فقراء المدن وأبناء الطبقة العاملة)، الخ.

بالنسبة للجماهير هناك مكاسب ملموسة، جاءت نتيجة لعشرة سنوات من النضال الثوري. وهم لن يسمحوا بأن يتم تحطيمها من طرف اليمين دون أن يناضلوا من أجل تحصينها. لقد تبين هذا عمليا أيضا خلال شهر نوفمبر. فمباشرة بعد فوز رادونسكي، اليميني الفاشستي، في الانتخابات الجهوية بمنصب حاكم ولاية ميراندا، بدأ في شن الهجوم على البعثات و Barrio Adentro.

لقد أشرنا في مقال سابق إلى بعض التهديدات والهجمات التي يشنها اليمين:

"في الواقع، لقد أشار تشافيز بالتفصيل إلى قائمة طويلة من الهجمات التي شنت ضد المستشفيات والبرامج التعليمية، ها هي بعضها:

- مهاجمة  أحد مشاريع Barrio Adentro، حيث تم إحراق  المستشفيات في لوس طالادورس، فالينسيا وكارابوبو.

- في منطقة اندبيندينثيا ومجالس قرطبة في تاشيرا، أُمر طلاب البعثات بمغادرة أقسام الدراسة.

- في ميراندا حدثت هجمات وتهديدات ضد موقع جامعة UNEFA في حكومة الولاية (الواقعة الآن تحت سيطرة المعارضة).

- وحدثت تهديدات في لوس تيكيس وميراندا ضد المحطة الإذاعية La Voz de Guaicaipuro.

- وفي ميراندا تعرض مركز للتشخيص الطبي بدوره للتهديدات وتوجب تدخل البوليس لحمايته.

- وفي بويرتو كابييو وكارابوبو هدد أنصار الحاكم الجديد، سالاس فييو، الأطباء الكوبيين ومستشفيات Barrio Adentro.

- وفي غوايكابورو وميراندا، أجبر عشرة من الأطباء الكوبيين على مغادرة المنازل التي كانوا يقطنون بها.

وقد جاء رد الجماهير سريعا. ففي ميراندا خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع كما نظمت مظاهرات مماثلة في كل أنحاء البلد. إن هذا يوضح مرة أخرى إحدى السمات الرئيسية للثورة الفنزويلية: كلما نزل سوط الثورة المضادة على الثورة، تتحرك الجماهير للدفاع عنها وتعمل على تعميقها.

هذا يفسر أيضا الانتصار الكاسح الذي تحقق يوم أمس. لقد فهمت الجماهير أن هذا الاستفتاء سيقرر مصير الثورة. حيث أنه إذا تمكنت قوى الثورة المضادة من وضع أيديها على منصب الرئاسة، فإنها سوف تعمل على تدمير جميع مكاسب الثورة.

الشوارع تحت سيطرة الثورة

وكما اتضح من خلال النتائج النهائية، لا تزال موازين القوى في صالح الثورة بشكل كبير. إلا أن الأرقام لا تبين التوازنات الحقيقية الموجودة بين القوى في المجتمع الفنزويلي. لقد كانت التعبئة بين أوساط مناضلي الثورة هائلة، فقد انتظمت مئات الكتائب من المتطوعين من أجل خوض حملة الاستفتاء.

تم تنظيم "puntos rojos" (النقاط الحمراء)، في جميع المدن الكبرى، حيث أقيمت أروقة دائمة من أجل فتح النقاشات مع الشعب وتوزيع المناشير التعبوية. ونظمت القطاعات الأكثر كفاحية من الطبقة العاملة نفسها في جبهة أطلق عليها اسم: "جبهة العمال من أجل التصويت بنعم"، والتي نظمت مسيرات عظيمة ولقاءات جماهيرية حاشدة في كل أنحاء البلد. وقد تبينت هذه التعبئة أيضا عندما تظاهر مليون شخص لصالح التصويت بنعم يوم الخميس 12 فبراير.

كان الوضع أكثر وضوحا بين صفوف الشباب. ففي الوقت الذي حاولت فيه مجموعات صغيرة من الطلاب المعادين للثورة (أغلبهم أبناء وبنات البرجوازية الصغرى) تفجير أحداث عنف، تظاهر 100,000 شاب بوليفاري من أجل "نعم". وبينما منظمات شباب المعارضة بقيت فارغة إلى حد بعيد، تظم شبيبة الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحد حوالي 140,000 عضو.

خلال ليلة الاستفتاء، كانت شوارع كاراكاس تحت السيطرة الكاملة للثوريين. تجول مئات المتظاهرين الممتطين للدراجات النارية والحاملين للأعلام الحمراء حول مركز المدينة. وانتظر مئات الآلاف في ساحة ميرافلوريس لسماع النتائج النهائية، وانطلقوا في ترديد الشعارات النضالية عندما أعلنت النتائج.

كل هذا يبين الإمكانات الهائلة التي يختزنها الوضع. فحتى بعد مرور عشرة سنوات من الثورة، لا تزال الجماهير وفية للثورة وتقف بحزم إلى جانب تشافيز. بوجود هذه القوة الرائعة من الممكن جدا توجيه ضربة قاضية للأوليغارشية وإنجاز المهام الثورية حتى النهاية عبر مصادرة الأبناك والأرض والصناعة.

عنف الثورة المضادة

مرة أخرى التجأت قوى الثورة المضادة إلى ممارساتها الغير ديمقراطية كليا. فخلال الحملة الانتخابية لجئوا إلى المزاوجة بين التكتيكات البرلمانية والغير برلمانية. إذ اندلعت موجة من المواجهات العنيفة بين الطلاب البرجوازيين الصغار وقوات الشرطة. في كاغوا، بولاية أراغوا، هاجم 12 طالبا قوات الشرطة بالزجاجات الحارقة خلال مظاهرة ضد التعديلات الدستورية. كما وقعت أحداث مشابهة في كومانا (سوكر)، وميريدا وماتورين (موناغاس). كانت أسوء حادثة هي تلك التي وقعت في تاشيرا، حيث شنت عصابات فاشستية حملة عنف في الشوارع خلال الأسبوعين الأخيرين.

يوم 17 يناير، ألقي القبض على ستة من القوات الشبه عسكرية الكولومبية في ماراكاي، أراغوا، وبحوزتهم أسلحة وقنابل وكيلوغرامان من المتفجرات. يوم 27 يناير، تم إلقاء القبض على واحد وثلاثين كولومبيا آخرين، بتهمة علاقتهم بمجموعات شبه عسكرية. وقد وقعت حادثة مشابهة في إيل فيخيا، بولاية ميريدا، حيث اعتقل أربعة من أعضاء المجموعة الفاشستية الشبه عسكرية المسماة "كتلة النسور السوداء" وبحوزتهم كميات ضخمة من الأسلحة والمتفجرات والقنابل وخرائط بمخططات مفصلة لأعمال إرهابية. كل هذا يبين بوضوح حالة اليأس التي تعيشها قوات المعارضة التي كانت تعرف أنها لن تفوز، وبالتالي لجأت إلى جميع أشكال المؤامرات من أجل عرقلة الاستفتاء وخلق حالة من الاضطراب والفوضى.

التقاطب

لكن تتضمن الوضعية الحالية أخطارا أخرى. لقد بينت نتائج الاستفتاء أن معسكر الثورة يتمتع بأغلبية كبيرة، إلا أننا شهدنا أيضا تعبئة كبيرة بين صفوف قوات الثورة المضادة. في الواقع إن الخمسة ملايين صوت التي حققتها المعارضة تعني أن الكتلة الانتخابية لصالح المعارضة قد ازدادت بـ 700.000 صوت مقارنة مع ما حصلت عليه خلال انتخابات نوفمبر الماضي. من الناحية النسبية لقد تمكنت الثورة المضادة من كسب بعض المواقع. وبينما كان الفرق بين الثورة والثورة المضادة خلال انتخابات نوفمبر هو 58 % إلى 41 %، فإن الفرق صار خلال هذا الاستفتاء هو 54 % إلى 45 %.

إن هذا تحذير واضح يجب التعامل معه بجدية. إن ما تبينه هذه النتائج هو التقاطب الشديد الذي يعرفه المجتمع في فنزويلا بين اليسار واليمين، بين الثورة والثورة المضادة. بعض الناس سيقولون أنه يجب على الحكومة أن تتحلى بـ ’الاعتدال‘ و’نهج الحوار‘ من أجل تشييد الجسور بين هذين الجانبين المتناقضين.

لكن ليس ’الاعتدال‘، هو ما تحتاجه الثورة من أجل كسب العناصر المتذبذبة إلى جانبها، بل على العكس تماما، تحتاج الثورة إلى اتخاذ إجراءات جريئة وحاسمة! إن السبب الذي جعل بعض فئات الجماهير تستنكف عن التصويت أو أنها صوتت بـ "لا"، هو لكونها تعبت من بطئ الوتيرة التي تسير بها الثورة. لقد بدأت تسئم من الكلمات الفارغة حول عجائب الاشتراكية، بينما لا تزال مشاكلها الجوهرية بدون حل.

الأزمة الاقتصادية

على العكس مما يروجه بعض الإصلاحيين في فنزويلا، سوف يكون للأزمة الاقتصادية العالمية تأثير على فنزويلا. وفي الواقع لقد بدأ هذا التأثير يظهر فعلا. فخلال نصف سنة فقط، انتقلت أسعار برميل البترول من 147 دولارا إلى أقل من 40 دولارا. وقد وجه هذا ضربة هائلة لاقتصاد البلد. كما أن أسعار المواد الخام الأخرى، من قبيل الألمنيوم والفولاذ، التي تنتجها فنزويلا بكميات ضخمة، عرفت بدورها انهيارا مأساويا.

سوف يؤدي هذا بالتأكيد إلى تلغيم أسس المكاسب التي حققتها الثورة. ولقد أعلنت شركة النفط العمومية PDVSA، التي تمول العديد من المشاريع الاجتماعية، عن تقليص ميزانية هذه السنة بـ 40 %. كما قفزت معدلات التضخم إلى مستويات عالية، حيث سجلت الآن حوالي 30 %، وقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية في كاراكاس بـ 50 % خلال عام واحد.

هذا يخلق مشاكل عويصة لآلاف الأسر العمالية التي لا تحصل على ما يكفيها. وإذا لم يتم حل تلك المشاكل، فإنها سوف تجعل الدعم الذي تتمتع به الثورة في خطر كبير. المشكل الرئيسي هو أن الاقتصاد الفنزويلي لا يزال اقتصادا رأسماليا، ومن ثم يتوجب عليه أن يمتثل لقوانين السوق. للقضاء على هذا الوضع يجب تطبيق مخطط اشتراكي من أجل إعادة تعبئة إمكانيات البلد الإنتاجية وضمان السير السلس للاقتصاد. لكن من أجل القيام بهذا يجب القضاء على السيطرة الاقتصادية للأوليغارشية، التي لا تزال تسيطر على مفاتيح الاقتصاد الرئيسية بين أيديها.

"فكرة حان وقتها"

خلال خطاب النصر الذي ألقاه الرئيس تشافيز، من شرفة قصر ميرافلوريس، قال أن الستة ملايين شخص الذين صوتوا لصالح "نعم" صوتوا لصالح الاشتراكية. إن هذا صحيح بشكل كامل. إلا أن الثورة الآن لا يمكنها أن تبقى مجرد كلام؛ بل يجب أن يتم تشييدها في الممارسة. بالرغم من الفوز الباهر الذي تحقق خلال الاستفتاء، فإن الثورة ليست بعد في مأمن من التراجع. إن تزايد قوة المعارضة وواقع أن أكثر من مليون شخص، ممن صوتوا لصالح تشافيز خلال انتخابات 2006، لم يصوتوا مطلقا هذه المرة، مؤشرات واضحة على الخطر المحدق. وإذا ما أضفنا هذا إلى فقدان العديد من المناطق الإستراتيجية خلال انتخابات نوفمبر الماضي، يتبين لنا أنه من الضروري دق نواقيس الخطر.

خلال يوم التصويت، أصدر تشافيز بلاغا رسميا، حيث استشهد بمقولة لفيكتور هوغو: "ليس في الإمكان الوقوف في وجه فكرة حان وقتها". إن هذا صحيح تماما. إلا أنه يجب علينا أن نضيف شيئا واحدا: إن هذه الفكرة هي الثورة الاشتراكية. فبمجرد ما تبدأ الثورة في التحرك يصبح من المستحيل إيقافها! لا يمكن للثورة أن تقف في منتصف الطريق! وقد صارت المسألة المطروحة الآن بإلحاح أكثر من أي وقت مضى هي: إما أن تتقدم الثورة إلى الأمام نحو تحطيم السيطرة الاقتصادية للبورجوازية والإمبريالية أو أنها سوف تتكبد أشد الهزائم هولا. وهذه هي المسألة التي سوف تحدد مصير الثورة الفنزويلية.

الاثنين 16 فبراير 2009